❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
في ظل الحشد العسكري غير المسبوق في الخليج، والتهديدات المتبادلة بعملية "72 ساعة" و"أبو القنابل"، يبدو المشهد وكأنه يتجه حتماً نحو الحرب. لكن قراءة معمقة لمصالح الأطراف وتصريحاتهم الأخيرة وخطوطهم الحمراء، تكشف أن المسار الأرجح ليس الحرب، بل اتفاق جديد، لأن مصلحة الجميع تدفع نحو التسوية.
أولاً: خطوط طهران الحمراء.. الحق غير قابل للتفاوض والتفاصيل قابلة
رسمت إيران بوضوح ما لن تتنازل عنه. ونقلت وكالة "رويترز" في 7 تشرين الأول عن مسؤول إيراني كبير مشارك مباشرة في المفاوضات غير المباشرة قوله: "اعتراف الولايات المتحدة بحق إيران في تخصيب اليورانيوم هو خط أحمر، لن نظهر أي مرونة بشأنه بأي شكل من الأشكال".
هذا الموقف أكده رئيس منظمة الطاقة الذرية محمد إسلامي: "التخصيب جزء لا يتجزأ من المسار النووي". فطهران التي التزمت في اتفاق 2015 بنسبة 3.67%، رفعت بعد انسحاب ترامب عام 2018 إلى 60%، وتعتبر اليوم أنها متنازلة أصلاً عندما توافق على مناقشة خفض هذه النسبة.
لكنها فتحت الباب بذكاء: "تفاصيل التخصيب يمكن مناقشتها لاحقاً". أي أن طهران مستعدة للعودة إلى 5% أو 3.67%، وتسليم المخزون العالي، والسماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل اعتراف رسمي بحقها ورفع للحصار. بل ولوّحت بورقة أخطر للضغط: المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي قال إن الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية NPT بات "جدية للغاية".
ثانياً: لماذا الاتفاق هو الحل الأسلم لترامب؟
يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتخابات نصفية حاسمة في 3 تشرين الثاني. أي حرب قبلها تعني ثلاث كوارث انتخابية: نفط فوق 150 دولاراً، وبورصة منهارة، وصور توابيت لجنود أميركان في العراق والخليج.
لذلك أجّل ترامب الضربة 7 مرات خلال 4 أشهر، رغم ضغط نتنياهو. وحتى التقارير الأميركية نفسها تشكك بالجدوى. فقد نقلت شبكة CNN عن استخبارات أميركية أن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير حذّر واشنطن من أن نتنياهو يريد الحرب لأهداف سياسية داخلية، دون خطة لليوم التالي.
ترامب يريد أن يخرج بصيغة "اتفاق أو القضاء عليهم" - يرفع السقف إلى الحد الأقصى ليحصل على اتفاق بشروطه، ويقول: "منعت النووي الإيراني بدون حرب". وهذا إرث سياسي يفوق أي قصف.
ثالثاً: لماذا الخليج يدفع نحو الاتفاق؟
الخاسر الأكبر من الحرب هو الخليج نفسه. مضيق هرمز مغلق جزئياً منذ شباط، و500 سفينة تنتظر، وأسعار الشحن اشتعلت. إغلاقه الكامل سيشل اقتصادات السعودية والإمارات وقطر.
لذلك نشهد حراكاً غير مسبوق: وفد قطري رفيع في طهران اليوم، وتحضير لاجتماع وزراء دفاع السعودية وتركيا وباكستان وإيران في الرياض، ورسالة واضحة لواشنطن: لدينا بديل إقليمي عن الحرب.
رابعاً: السيناريو الأرجح والجدول الزمني
بناء على كل الشواهد، فإن فرضية الاتفاق هي الأكبر بنسبة 60-65% مقابل 35-40% للحرب.
والاتفاق لن يكون دفعة واحدة، بل على مرحلتين:
1. اتفاق إطار وتهدئة سريعة (بين 10 و25 تشرين الثاني 2026):
يتضمن وقف التصعيد، وفتحاً جزئياً لهرمز بإشراف مشترك، وتجميد التخصيب فوق 5% مقابل فك جزء من الأموال المجمدة. هذا ما تسميه المصادر الأوروبية "هرمز أولاً ثم النووي"، وهي الصيغة التي كشفتها منصة "إرم نيوز" كأساس للمبادرة الجديدة.
2. اتفاق نووي جديد كامل (بين شباط ونيسان 2027):
يحدد النسبة النهائية للتخصيب، ومصير المخزون، وجدول رفع العقوبات، وعودة كاملة لمفتشي الوكالة الدولية بعد أن فقدت "استمرارية المعرفة" كما قال مديرها غروسي.
خامساً: متى نتأكد أننا ذاهبون للاتفاق؟
التأكيد سيأتي على موجتين:
- تأكيد غير مباشر بين 5 و7 تشرين الثاني: خطاب لترامب بعد الانتخابات يعلن فتح التفاوض، وبدء مرور ناقلات إيرانية من بندر عباس.
- تأكيد رسمي مكتوب بين 15 و25 تشرين الثاني: بيان ثلاثي أميركي-إيراني-قطري/عُماني يعلن اتفاق الإطار.
المؤشرات الميدانية الثلاثة التي يجب مراقبتها هي: إلغاء تحريك حاملة طائرات أميركية ثالثة، ومرور الناقلات، وتصريح من غروسي بعودة المفتشين.
الخلاصة
الرد الإيراني المؤلم الذي هددت به طهران وقالت إنه "قاسٍ ولا يتوقعه أحد" هو ما يجعل الحرب خياراً انتحارياً للجميع. إيران أثبتت أنها تهدد وتنفذ. لذلك، فإن الضربة بعد الانتخابات، إن حدثت، قد تكون بداية نهاية الوجود الأميركي في المنطقة كما هددت طهران، لأنها ستفتح مستنقعاً بلا نهاية.
ومن هنا، فإن الوصول إلى اتفاق هو الحل الأسلم لترامب، ولإيران، ولدول الخليج. والمصلحة المشتركة هي التي ستنتصر في النهاية، وتحوّل طبول الحرب إلى حبر اتفاق.